الشيخ محمد هادي معرفة
244
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
سَحَرَةُ بابل كان المجتمع البابلي - على عهد الكلدانيّين - مجتمعا فاسدا شاعت فيه الفحشاء والمنكرات وراج الفساد والإفساد في الأرض ، وكان من أساليب إفسادهم ارتكاب الحيل الماكرة والدسائس الخادعة لإيجاد البغضاء والشحناء بين الناس ، وبثّ روح سوء الظنّ بين المؤتلفين : بين المرء وزوجه . بين الوالد وولده . بين الأخوين . بين الشريكين في صنعةٍ أو تجارة . وذلك عن طريق الوساوس والدسائس والخُدَع والنيرنجات ، وكان السبب يعود إلى هيمنة الحَسَد على الناس حينذاك ، بما جَعَلهم يبغض بعضهم بعضا ويعمل بعضهم ضدّ البعض في أساليب وحيل خدّاعة كلّ يوم في شكل من أشكالها ، ويتعاون بعضهم مع بعض في تخطيط هذه الأساليب وتنويعها « يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » . « 1 » وإلى ذلك تشير سورة الناس : « قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ . إِلهِ النَّاسِ . مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ . الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ » . الخنس : العمل في خفاء وعن وحشة الافتضاح ، ومن ثَمَّ إذا أحسّ بالفضح خنس أي انقبض وتخفّى بسرعة . فكان الخنّاس هو الذي يعمل في خبثٍ ولؤم وعن وحشةٍ خشية الافتضاح . فهو يعمل في خبثٍ معه ضعف وجبن ووهن في مقدرته الماكرة . فأنزل اللّه الملَكين هاروت وماروت ببابل ينبّهان الناس على إفشاء تلك الأساليب الماكرة ويعلّمانهم طرق التخلّص منها والنقض من أثرها . غير أنّ بعض الخبثاء كانوا يتعلّمون ما يضرّهم دون ما ينفعهم . ليفرّقوا بين المرء وزوجه . سوى أنّ اللّه غالب على أمره وما تشاؤون إلّا أن يشاء اللّه . يقول اللّه عن سوء تصرّف بني إسرائيل : « وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ
--> ( 1 ) - الأنعام 112 : 6 .